الخطيب الشربيني
296
مغني المحتاج
منزل على السؤال فينبغي وقوع الثلاث كما قالوا فيما لو قال : طلقي نفسك ثلاثا ، فقالت بلا نية طلقت فإنها تطلق ثلاثا . أجيب بأن السائل في تلك مالك للطلاق ، بخلافه في هذه . أو طلقها طلقة رجعية . ثم قال : جعلتها ثلاثا لم يقع به شئ . ولو قال : أنت طالق ملء الدنيا أو مثل الجبل أو أعظم الطلاق أو أكبره بالباء الموحدة ، أو أطوله أو أعرضه أو أشده أو نحوها وقعت واحدة فقط ، وكذا لو قال : بعدد التراب بناء على قول الجمهور أن التراب اسم جنس لا جمع ، أو : بعدد شعر إبليس لأنه نجز الطلاق وربط عدده بشئ شككنا فيه فنوقع أصل الطلاق ونلغي العدد . ولو قال : أنت طالق بعدد أنواع التراب أو أكثر الطلاق بالمثلثة أو كله أو : يا مائة طالق أو أنت مائة طالق وقع الثلاث لظهور ذلك فيها . ولو قال : أنت طالق أقل من طلقتين وأكثر من طلقة وقع طلقتان كما نقله الأسنوي عن أبي المعالي وصوبه . ثم شرع في تكرير الطلاق ، فقال : ( وإن ) أتى بثلاث جمل تكرر فيها لفظ المبتدأ أو الخبر ، كأن ( قال ) لمدخول بها : ( أنت طالق أنت طالق أنت طالق وتخلل فصل فثلاث ) سواء أقصد التأكيد أم لا ، لأنه خلاف الظاهر ، لكن إذا قال : قصدت التأكيد فإنه يدين فإن تكرر لفظ الخبر فقط كأنت طالق طالق طالق فكذا عند الجمهور ، خلافا للقاضي في قوله يقع واحدة ، ولو لم يرفع المكرر بل نصبه كأنت طالق طالقا لم يقع شئ في الحال كما قاله العبادي : لكن إذا طلقها وقع طلقتان والتقدير : إذا صرت مطلقة فأنت طالق . تنبيه : المراد بالفصل أن يسكت فوق سكتة التنفس ، قال الإمام : وهو كالاستثناء في الاتصال لا كالايجاب والقبول فإنه كلام شخص واحد . وهذا في الطلاق المنجز ، أما المعلق كإن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق فإن الطلاق لا يتعدد إلا إن نوى الاستئناف ، فإن نواه تعدد ، بخلاف ما لو نوى الاستئناف في نظيره من الايمان لا تتعدد الكفارة ، لأن الطلاق محصور ، فقصد الاستئناف يقتضي استيفاءه ، بخلاف الكفارة ، ولان الكفارة تشبه الحدود المتحدة الجنس فتتداخل بخلاف الطلاق ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك . ( وإلا ) أي وإن لم يتخلل فصل ، ( فإن قصد تأكيدا ) أي قصد تأكيد الأولى بالأخيرتين ، ( فواحدة ) أي تقع لأن التأكيد في كلامهم معهود في جميع اللغات وقد ورد به الشرع . تنبيه : بحث بعضهم اشتراط نية التأكيد من أول التأسيس أو في أثنائه على الخلاف الآتي في نية الاستثناء وهو حسن . ( أو ) قصد ( استئنافا فثلاث ) تقع لأن اللفظ ظاهر فيه وتأكد بالنية . ( وكذا إن طلق ) بأن لم يقصد تأكيدا ولا استئنافا يقع ثلاث ( في الأظهر ) عملا بظاهر اللفظ ، ولان حمله على فائدة جديدة أولى منه على التأكيد ، والثاني : لا يقع إلا واحدة ، لأن التأكيد محتمل فيؤخذ باليقين . تنبيه : هذا التفصيل يأتي في تكرير الكنايات كقوله : اعتدي اعتدي اعتدي كما حكاه الرافعي في الفروع المنثورة في الصريح والكناية . ولو كانت الألفاظ مختلفة ونوى بها الطلاق وقع بكل لفظة طلقة كما في الروضة وأصلها . ولو اختلف ألفاظ الصريح كأنت مطلقة أنت مسرحة ، فهو كقوله : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق على الأصح ، وقيل : يقع في هذه الثلاث قطعا ، حكاه الحناطي . قال الزركشي : وينبغي أن يلحق بالاطلاق ما لو تعذرت مراجعته بموت أو جنون أو نحوه ، قال : ولم يتعرضوا له اه . وهو ظاهر وتصوير المصنف وغيره التأكيد بثلاث قد يقتضي أنه لا يصح منه إرادة التأكيد بالرابعة . وقال في التوشيح : إنه الذي يتجه . وقال ابن عبد السلام : إن العرب لا تؤكد أكثر من ثلاث مرات . وقال البلقيني : الحكم عندي في ذلك كالحكم في صورة تكريره ثلاثا ، ولا ينبغي أن يتخيل أن الرابعة تقع بها طلقة لفراغ العدد ، لأنه إذا صح التأكيد بما يقع لولا قصد التأكيد فلان يؤكد بما لا يقع عند قصد التأكيد أولى اه . والمتجه كما قال الأسنوي في التمهيد أنه يقبل التأكيد مطلقا كما أطلقه الأصحاب في الاقرار وغيره . ( وإن قصد بالثانية تأكيدا ) للأولى ، ( وبالثالثة استثناء أو عكس ) بأن قصد بالثانية استئنافا وبالثالثة تأكيدا للثانية ،